الشيخ محمد علي التسخيري
79
محاضرات في علوم القرآن
ثم ها هو ذا الوحي ينقطع عن النبي ، وهو أشدّ ما يكون إليه شوقا وله طلبا ، فبعد أن نزل عليه جبريل بأوائل سورة العلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فتر الوحي ثلاث سنوات فحزن النبي ثم الوحي تتابع فاستبشر النبي وتبدّل انتظاره الحزين فرحة غامرة ، وأيقن أنّ هذا الوحي الذي استعصى عليه ولم يوافه طوع إرادته مستقل عن ذاته خارج عن فكره ، فاستقرّ في ضميره الواعي أنّ مصدر هذا الوحي هو اللّه علّام الغيوب . ومن ذا الذي ينسى كيف أبطأ الوحي بعد ( حديث الافك ) الذي رمى به المنافقون زوج النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وأثاروا به حولها الفضيحة حتى عصفت بقلب الرسول الريبة . من ذا الذي لا يدرك أنّ هذه المدّة التي تصرّمت على الحادثة من غير أن يتلقّى النبيّ خلالها وحيا ، كانت أثقل عليه من سنين طويلة بعد أن خاض المنافقون في زوجته خوضا باطلا ؟ فما بال النبيّ الذي كان فريسة للشك والقلق يظلّ صامتا ينتظر واجما يتربّص حتى نزلت آيات النور تبرّئ امّ المؤمنين ؟ وما له لا يسرع إلى التدخّل في أمر السماء ، فيرتدي مسوح الرهبان ، ويهيّئ الأسجاع ويطلق البخور ويبرّئ زوجته من قذف القاذفين ؟ ولقد كان النبي يتحرّى شوقا إلى تحويل القبلة إلى الكعبة ، وظلّ يقلّب وجهه في السماء ستّة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، لعلّ الوحي ينزل عليه بتحويل القبلة إلى البيت الحرام ، ولكنّ ربّ القرآن لم ينزل في هذا التحويل قرآنا رغم تلهّف رسوله الكريم اليه ، إلّا بعد قرابة عام ونصف العام قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي